تنبعث أنفاس هادئة رتيبة من صدرها المثقل بحزن الماضي وأسى الزمان ، ولكن هدوء أنفاسها لا يدوم طويلا ً؛ فبمجرد وصولها إلى الحاجز ، يبدأ الارتباك رحلته غير متوقف؛ خوفاً من قدر يحتم عليها مصادرة ما تملكه .. فتدفع جزءا ليس يسيراً من قوتها؛ لتدفع ذاك الارتباك راكبة سيارة أجرة خاصة .

تطل برأسها لتسأل صاحب السيارة : (قديش بتؤمر يا بني )

، يجيب بجفاء : (مية شيكل ع البكسة ! ) ،تمد يدها بارتباك سببه خوفها من رجوعها بيدين فارغتين إلى من ينتظرها.. هناك بعيداً.. بالأحرى من ينتظرون رزقهم وما يملأ خواء بطونهم.

مع كل يوم جديد، تحاول أم محمد استغلال أي نسمة أمل وابتسامة في ربوع الوطن؛ لكي لا تخسرها عندما يشتد البأس لأن ذاك المشهد أو سواه لا يبعث شعوراً بالاستغراب: حملة اعتقالات لشبان في عمر الورد ذنبهم أنهم فلسطينيين، أو إطلاق رصاص وقنابل الغاز "مسيل الدموع " بعشوائية بحتة على الناس في أزقة البلدة القديمة..

والحاجة بدورها لن تقوم برمي الحجارة مثلاً ..تبدأ رحلة العناء -الهروب- وتجر كمية العنب الكبيرة التي معها بشد الحبل المربوط بصندوق الجر خاصتها، آملة بالرزق المكتوب، تجلس أينما وجدت فسحة بين كثيرين ليست أقل نصيب منهن في عيش المر والهوان ..راضية بما يقسمه الله لها حصيلة ما جنته من كروم العنب في أرضهم التي تركها زوجها لها .

وفي تمام السابعة مساء تنطلق لتغادر القدس، مواصلة الطريق إلى بيتها في الخضر قريتها في بيت لحم جنوب القدس ،تعود إلى الذين ينتظرون على أحر من الجمر لقمة عيشهم ، ينتظرون بأمل وينظرون برضى..