د. أحمد أبو مطر

مدينة القدس في أرض فلسطين التاريخية حيث المسجد الأقصى أحد اشهر وأكبر مساجد المسلمين في العالم قاطبة، هذا المسجد حظيّ بتبريك الله تعالى ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في كتاب الله القرآن  " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " ، وفي حديث الرسول " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام و مسجدي هذا والمسجد الأقصى ". هذا التكريم الإلهي والنبوي لهذا المسجد لم يحظ به مكان آخر في العالم أجمع. لذلك انغرست هذه المكانة في ذاكرة المبدعين خاصة الذين ولدوا في تلك الأرض ثم تعرضوا للتهجير والنزوح نتيجة احتلال وطنهم الذي يضمّ المسجد الأقصى وما حوله. البعد القهري عن المكان المقدّس حفز هؤلاء المبدعين على اعادة كتابته روائيا ليبقى حاضرا في عقول وقلوب وذاكرة الجميع. 

الروائي الفلسطيني المرحوم " جبرا إبراهيم جبرا " الذي ولد في مدينة " بيت لحم " عام 1920 ووافاه القدر عام 1994 في بغداد حيث دفن فيها. هذا الروائي المشهور عربيا وعالميا، نشر روايته " السفينة " عام 1970  كي تبحر فى أرضية القضية الفلسطينية، خاصة نكبتها، ومدينتها الأم (القدس)، وفى الوقت ذاته تهرب عبر لحظات معينة، وعبر شخوص آخرين، غير الفلسطينى (وديع عساف)،الى مدن وموانى آخرى، وكان (وديع عساف) رغم ما يبدو أنها لا
(مبالاة)، يعيش الألم والجرح، خاصة عبر لهفه وشوقه الى مدينة (القدس) التى يهرب دوما نحوها، رغم فقده لها، فى حين يهرب (عصام السلمان) من مدينة (بغداد)، رغم توفره فيها، ووجودها له . (القدس) عند وديع عساف، أرض ودم .. ففيها فقد صديقه (فايز) مضرجا بدمائه، ولها يُصّر أن يصطحب حبيبته (مها) بعد الزواج .. كان الأمل مازال متوفرا عند جبرا إبراهيم جبرا (وديع عساف)، لذلك كانت القدس كمدينة ماتزال قائمة فى وجدانه وعقله .. ويتجول فى سفينته من ميناء الى ميناء وصولا الى القدس، وكأنها مازالت له لم يحتلها المحتل، ويستطيع العودة اليها متى ما شاء ..... رغم إستحالة ذلك فى الواقع الحالي، لكن قوة الأمل جعلت عنده – روائيا – المستحيل ممكنا..القدس تعيش في وجدان شخصية "
وديع عساف " الروائية كما تعيش واقعيا في شخصية وعقلية الملايين من الفلسطينيين والعرب والمسلمين، لذلك يخاطب  نفسه أول  ثم شخصيات الرواية الأخرى ثانيا قائلا: " أتعرف القدس ؟ لعلك كنت صغيـراً، عندما إلتهم الوحش اليهودى أجمل نصف فى أجمل مدن الدنيا على الإطلاق. قيل أنها بُنيت على سبعة تلال، لست أدرى إن كانت تلالها سبعة، ولكننى ارتقيت كل ما فيها من تلال، وهبطت كل ما فيها من منحدرات، بين بيوت من حجر أبيض وحجر وردى أحمر، بيوت كالقلاع تعلو وتنخفض مع الطرق الصاعدة النازلة، كأنها جواهر منثورة على ثوب الله ". التهم الاحتلال نصف المدينة عندما كتب جبرا إبراهيم جبرا روايته، ولاحقا التهم الاحتلال القدس كلها ، ورغم هذا الاحتلال وسياسته الرامية لتهويد المدينة، فهي سياسة مهما أوتيت من دعم مآلها الفشل ، فالمدينة التاريخية التي يعيد بناءها الكتاب الفلسطينيون روائيا، مبنية قبل ذلك وبعده في وجدان الملايين الذين يعتبرونها كاملة وقفا إسلاميا لا يجوز التصرف فيه والمساومة حوله، فيكفيها أنّها المدينة الوحيدة في العالم التي حظيّ مسجدها الأقصى بذكر الله تعالى لها في قرآنه، وذكر الرسول له في أحاديثه...

تزور القدس وتسير في شوارعها القديمة وتدخل فيها من  باب إلى باب وصولا للمسجد الأقصى فتشعر برهبة روحية و خشوع إيماني يقول لك في داخلك : يا قدس..يا أقصى .. مهما بعدنا عنكّ ستبقى حيا في وجدان الملايين بفضل تفاني شخوص أحبوك ويقدرون مكانتك الإلهية والنبوية.. يا أقصى..عائدون.. عائدون ..قادمون..قادمون ".